تدخل السيدة «إتش» يومياً إلى مقهى «ستومبينغ غراوندز» في دبي. وقد لا تأتي أحياناً أيام الأحد، لكن ذلك نادر الحدوث. وعندما تكون في المقهى، تتناول وجبة الإفطار وتطلب فنجانين أو ثلاثة فناجين من القهوة، وتنفق نحو ٢٥٠ درهماً يومياً. وتكاد تُعد فرداً من عائلة المقهى؛ إذ يعرفها الموظفون جيداً، ويقدمون لها مع كل قهوة ملاحظة مكتوبة بخط اليد، في تقليد أصبح جزءاً من هذه العلاقة.

للسيد «أو» طاولته الخاصة التي تحمل الرقم ١٤ في المقهى. ويطلب ما اعتاد عليه دائماً، وأثناء عمله يطلب ثلاث قهوات شديدة السخونة وزجاجتي مياه. ويفضل ألا يزعجه أحد، وينفق في المتوسط نحو ١٢٠ درهماً يومياً.

يصل السيد «فيراري»، الذي لا يزال موظفو المقهى يجهلون اسمه الحقيقي، بين الساعة ٧:١٥ و٧:٣٠ صباحاً بإحدى سيارتيه من طراز فيراري. ويرتدي دائماً ملابس رسمية ويكون منشغلاً بمكالمة هاتفية. ولا يتحدث إلى الموظفين؛ فهم يعرفون مسبقاً أن الوقت حان لإعداد قهوته الخاصة، «إسبريسو بالبرتقال». يتسلم قهوته، ويمرر بطاقته المصرفية ثم يغادر. وينهي مشروبه قبل وصوله إلى بوابة المدخل، وعادة ما يختفي بعد دقائق قليلة.

ومع ذلك، لا يقتصر احتساب التكلفة على المبلغ الذي يدفعه الشخص في كل زيارة؛ إذ يؤثر أيضاً عدد مرات زيارة المقهى أو طلب القهوة خلال اليوم في إجمالي الإنفاق.

هذه مجرد نماذج قليلة من رواد مقهى «ستومبينغ غراوندز» الدائمين في دبي وعاداتهم في شرب القهوة، وفقاً لما أوضحه مالك المقهى رايان غودينيو.

بالنسبة إلى كثيرين، تمثل القهوة مصروفاً يومياً مهماً لا يمكن تجاهله بسهولة. فبعضهم يحتاج إلى قهوة الصباح لبدء يومه، فيما يشربها آخرون على فترات محددة خلال اليوم.

ويقول غودينيو: «قد ينفق من يدخل المقهى مرة واحدة يومياً لاحتساء القهوة نحو ٣٠ درهماً، لكن الشخص الذي يزور المقهى مرات عدة في اليوم أو يعده منزله الثاني لبضع ساعات قد ينفق بسهولة ٢٠٠ درهم أو أكثر».

لكن السؤال الأهم بالنسبة إلى كثير من عشاق القهوة هو: عندما نقول في كل مرة «قهوة أخرى فقط»، فإلى أي مبلغ تصل في النهاية تكلفة الفنجان البالغة ٢٠ أو ٣٠ أو ٥٠ درهماً؟

ما التكلفة الحقيقية لقهوة يومية؟

لا يمثل رواد «ستومبينغ غراوندز» الثلاثة سوى نماذج محدودة من نطاق الإنفاق على القهوة. فقد ينفق أحد العملاء نحو ٣٠ درهماً يومياً على قهوة واحدة، بينما يدفع آخر ١٢٠ درهماً خلال يوم عمل، وقد ينفق من يرى المقهى منزله الثاني أكثر من ٢٠٠ درهم بسهولة.

وإلى جانب قيمة كل طلب، يكتسب عدد مرات زيارة المقهى أو طلب القهوة خلال اليوم أهمية أيضاً.

فعلى سبيل المثال، يقول أسامة بلاشلات، مؤسس مقهى «ذا كوفي لاب» في ميناء راشد، إن العملاء الدائمين يزورون المقهى عادة مرتين يومياً، ويتراوح إنفاقهم اليومي على مشروبات القهوة بين ٥٠ و١٠٠ درهم.

وفي مقهى «كايروس»، يقول مؤسسه شيراز ساروار إن العملاء الدائمين ينفقون نحو ٤٠ درهماً يومياً، ويعود معظمهم إلى المقهى ثلاث مرات أسبوعياً على الأقل.

وفي «أبتاون سوشال»، يقول الشريك الإداري أليش غارسيا إن كثيراً من العملاء يزورون المكان من ثلاث إلى خمس مرات أسبوعياً، وينفقون ما بين ٦٠ و١٠٠ درهم بحسب نوع القهوة.

وبالتالي، فإن من يشتري قهوة بقيمة ٢٥ درهماً خمسة أيام في الأسبوع سينفق ١٢٥ درهماً أسبوعياً، ونحو ٥٤٠ درهماً شهرياً، وما يقارب ٦٥٠٠ درهم سنوياً.

وإذا ارتفع هذا الإنفاق اليومي إلى ٣٠ درهماً، فستصل التكلفة السنوية إلى نحو ٧٨٠٠ درهم، وفق نمط الأيام الخمسة نفسه.

أما من ينفق ٥٠ درهماً يومياً على القهوة، فستكلفه هذه العادة، على مدى خمسة أيام أسبوعياً، نحو ١٣ ألف درهم سنوياً.

ويرتفع هذا الرقم عندما لا تعود القهوة مجرد مشروب، بل تُطلب معها وجبة إفطار أو حلوى أو وجبة خفيفة أو مشروبات أخرى.

ويقول غودينيو إن من يطلب قهوة سريعة واحدة يومياً ومن يمضي ساعات عدة في المقهى يتبعان في الواقع نمطين مختلفين تماماً في الإنفاق، حتى لو قال كلاهما ببساطة: «ذهبنا لاحتساء القهوة».

لماذا لا تبدو الـ٢٥ درهماً مثل ٦٥٠٠ درهم؟

«إنها ٢٥ درهماً فقط»، هكذا يقول كثيرون لأنفسهم. لكن هذا المبلغ الصغير قد يتحول إلى تكلفة كبيرة إذا تكرر يومياً.

ويقول جعفر هاشم، رائد الأعمال والمستثمر في شركة «زينتارا سوليوشنز»، إن الناس ينظرون عادة إلى كل عملية شراء على حدة، وليس إلى نمط الإنفاق المتكرر.

ويضيف: «نحن نحكم على عملية الشراء نفسها، لا على العادة. لا تبدو الـ٢٠ درهماً مبلغاً كبيراً، لكن إنفاق ٢٠ درهماً كل يوم يتجاوز ٧ آلاف درهم سنوياً. المبلغ صغير، لكن تكراره هو المهم».

ولا تجذب قهوة بقيمة ٢٥ درهماً انتباه الشخص بالطريقة نفسها التي تفعلها فاتورة بقيمة ٥٠٠ درهم. فهي عملية شراء صغيرة وسريعة، وعادة ما تكون جزءاً من روتين يومي، لكن في نهاية الشهر تتراكم أعداد كبيرة من هذه القرارات الصغيرة.

ويقول هاشم: «تجذب عملية الشراء الكبيرة انتباهك، لكنك تنسى المشتريات الصغيرة. ولهذا قد تلحق النفقات المتكررة بميزانيتك ضرراً أكبر مما تتصور».

«لنذهب لاحتساء القهوة»؛ القهوة أصبحت جزءاً من نمط الحياة

في مدن مثل دبي، لا تمثل القهوة مجرد مشروب، بل أصبحت جزءاً من الحياة الاجتماعية للناس.

وتقول عالية لالا، صانعة محتوى متخصصة في السفر ونمط الحياة: «عندما تلتقي شخصاً، فإن أول ما تقوله هو: لنذهب لاحتساء القهوة. لكن الأمر لا يقتصر عادة على فنجان قهوة واحد».

فقد يتحول لقاء لتناول القهوة إلى جلوس في المقهى لمدة ساعتين أو ثلاث، ثم طلب مشروب ثانٍ، يليه طبق حلوى.

وتقول لالا إنها قد تنفق بسهولة أكثر من ١٠٠ درهم في الأيام التي تخرج فيها لحضور اجتماعات عمل أو لقاءات اجتماعية، من دون احتساب تكلفة الغداء أو العشاء.

وترى نيكول ريميديوس، المتخصصة في العلاقات العامة، أن جاذبية القهوة لا تكمن في المشروب وحده، بل في تجربة الجلوس داخل المقهى والاستمتاع بالأجواء والابتعاد عن روتين الحياة اليومية.

وتقول: «قد لا أستطيع دائماً تحمل تكلفة أوجه الرفاهية الكبيرة، لكن يمكنني الجلوس في مقهى جيد مع قهوة جيدة والاستمتاع باللحظة».

وتحذر آنا إيفانوفا-غاليتسينا، مستشارة العلاقات العامة في دبي، من أن المشكلة تبدأ عندما تتحول متعة صغيرة إلى نفقة يومية لا يعود الشخص يحسب تكلفتها.

وتقول إن هذه النفقات قد ترتفع مع إضافة الحلوى أو الشطائر أو اختيار مقاهٍ أعلى سعراً.

ومع ذلك، لا تعني المسؤولية المالية التخلي تماماً عن المتع الصغيرة.

ويقول هاشم: «إذا كنت قادراً على تحمل تكلفة نمط حياتك، وتفي بالتزاماتك، وتواصل الادخار للمستقبل، فلا مشكلة في احتساء قهوة يومية».

ويضيف أن السؤال الصحيح ليس: «هل أستطيع إنفاق ٢٠ درهماً؟»، بل: «هل أستطيع تحمل تكلفة هذه العادة؟».

هل يشتري عشاق القهوة كميات أقل فعلاً؟

مع ارتفاع الأسعار أو تزايد الضغوط على ميزانيات الأسر، لا يكون الحل دائماً التخلي عن القهوة اليومية.

ويقول غودينيو، من مقهى «ستومبينغ غراوندز»، إن العملاء الدائمين ظلوا أوفياء للمقهى عموماً رغم تغير الأسعار.

ويضيف: «أصبحت القهوة جزءاً راسخاً من روتينهم اليومي إلى درجة أن السعر نادراً ما يكون عاملاً حاسماً».

في المقابل، يقول بلاشلات، من «ذا كوفي لاب»، إن هناك مؤشرات على أن العملاء أصبحوا أكثر حذراً في إنفاقهم.

ويضيف: «لاحظنا خلال الأسابيع الماضية أن إنفاق المستهلكين أصبح أكثر تقييداً بعض الشيء، لكننا ما زلنا نرى كثيراً من الوجوه المألوفة».

وفي مقهى «كايروس»، أصبح بعض العملاء أيضاً أكثر حذراً عند ارتفاع الأسعار؛ فقد يعدون فنجاناً من القهوة في العمل أو المنزل بدلاً من شراء عدة فناجين من المقهى، مع مواصلة شراء القهوة من الخارج مرات عدة أسبوعياً.

ولا يعني خفض الإنفاق بالضرورة التخلي تماماً عن هذه العادة.

ويقول هاشم: «إذا كنت تستمتع بسبعة فناجين من القهوة أسبوعياً، فلا حاجة إلى خفضها إلى الصفر. أحياناً، يمكن أن يؤدي تقليصها من سبع إلى أربع مرات إلى توفير كبير من دون حرمانك مما تحب».

فهل لا تزال هذه القهوة تستحق تكلفتها؟

بالنسبة إلى رواد «ستومبينغ غراوندز» الدائمين، تبدو الإجابة واضحة.

تأتي السيدة «إتش» من أجل الملاحظة المكتوبة بخط اليد التي تتلقاها إلى جانب كل فنجان. ويعود السيد «أو» من أجل الطاولة رقم ١٤ والهدوء الذي يستمتع به أثناء عمله مع ثلاث قهوات شديدة السخونة. أما السيد «فيراري»، فيأتي من أجل قهوة إسبريسو بالبرتقال تُجهز له قبل أن ينهي جملته.

فهم لا يشترون القهوة فحسب، بل يشترون عادة وتجربة: مكاناً للتوقف، ولحظة هدوء خلال اليوم، وشيئاً صغيراً يسير دائماً كما ينبغي.

ولهذا، لا تنجح دائماً نصيحة «توقف عن شراء القهوة فحسب».

ويقول جعفر هاشم: «لا تتغير حياتك المالية عادة بقرار واحد قيمته ٣٠ درهماً، بل تتشكل بفعل القرارات التي تكررها مراراً».

لذلك، إذا كانت القهوة ذات قيمة بالنسبة إليك، فاحتفظ بها، لكن من الأفضل أن تنظر إلى تكلفة هذه العادة كاملة كما هي.