تستذكر نور يحيى، عارضة الأزياء السودانية المقيمة في دولة الإمارات، تلك الأيام التي كانت تقضي فيها ساعات طوال تحت أشعة شمس دبي الحارقة، حاملةً ملف أعمالها وتتنقل من مكان إلى آخر بحثاً عن فرصة لدخول عالم عروض الأزياء؛ وهي رحلة شاقة قادتها في نهاية المطاف إلى واحد من أكبر فعاليات صناعة الموضة في العالم.

وقالت: "أكثر ما أتذكره هو السير لساعات تحت الشمس اللاهبة والتنقل من مكان لآخر لإيجاد فرصة أبدأ من خلالها مسيرتي المهنية في عرض الأزياء. لقد جئت إلى الإمارات بهذا الحلم، وليس للبحث عن وظيفة عادية".

كانت نور تجوب شوارع دبي يومياً، حاملةً حقيبة أعمالها وحلماً اعتبره الكثيرون غير واقعي.

كانت مقابلات العمل، واختبارات الأداء التي لا تنتهي، والساعات الطويلة تحت الشمس الحارقة، جزءاً من حياتها اليومية. وكانت نور تشارك متابعيها على منصات التواصل الاجتماعي تقلبات هذه الرحلة، رافضةً أن تجعل الردود السلبية تنال من طموحاتها، حتى في الأوقات التي لم تأتِ فيها الفرص التي كانت تنتظرها.

وبعد بضعة أشهر، تحولت تلك الشوارع التي كانت يوماً رمزاً للشك والحيرة، إلى نقطة انطلاق لقصة نجاح استثنائية.

وفي شهر مارس من هذا العام، أصبحت نور أول عارضة أزياء سودانية مقيمة في الإمارات تشارك في عرض دار شانيل خلال أسبوع الموضة في باريس؛ وهو نجاح توّج سنوات من الإصرار ليصبح أحد أهم المحطات في مسيرتها المهنية.

وعن هذه التجربة قالت: "كانت هذه واحدة من أكثر اللحظات التي لا تُنسى في حياتي".

ومع ذلك، وقبل وقت طويل من تواصل شانيل معها، لم تكن نور سوى خريجة جامعية تحاول إقناع نفسها بأن ملاحقة شغفها لم يكن قراراً خاطئاً.

IMG_2876

من هي نور يحيى؟

ولدت نور يحيى ونشأت في السودان، حيث درست الاقتصاد في جامعة الخرطوم، إحدى أعرق الجامعات في البلاد، وتخصصت في مجالي الإحصاء والعلوم السياسية.

بعد تخرجها، حصلت نور على وظيفة اعتبرها الكثيرون مساراً مهنياً مستقراً وآمناً، إلا أنها شعرت بأنها ليست في المكان المناسب.

وقالت: لم أشعر يوماً بأنني أنتمي حقاً إلى ذلك المكان.

ورغم أن تلك الوظيفة وفرت لها استقراراً مالياً وخبرة قيمة، إلا أن شغفها بالإبداع ظل يدفعها نحو مسار آخر.

وشكلت جلسة تصوير بسيطة وودية مع أصدقائها نقطة تحول غير متوقعة في حياتها.

وقالت نور: في تلك اللحظة، آمنت بأن هذا المجال يتماشى مع شخصيتي الحقيقية.

وبعد فترة وجيزة، استقالت من وظيفتها دون أن تعرف ما الذي ينتظرها.

وبحسب نور: كل ما كنت أعرفه هو أنني أريد العثور على مسار أشعر فيه بالشغف والاهتمام والهدف.

633E70CC-25C7-4014-9502-AA857CE826AB

السعي وراء حلم عرض الأزياء في دبي

على عكس الكثيرين ممن يهاجرون إلى دولة الإمارات بحثاً عن وظيفة تقليدية، دخلت نور البلاد بهدف محدد.

وقالت: جئت إلى الإمارات وفي مخيلتي حلم عرض الأزياء، وليس للعثور على وظيفة اعتيادية.

لكن الواقع كان مختلفاً تماماً عن تصوراتها.

اقترح عليها أصدقاؤها وأفراد عائلتها البحث عن وظيفة مستقرة بالتزامن مع نشاطها في مجال عرض الأزياء. قبلت نور هذا الاقتراح، معتقدة أن الوظيفة الثابتة يمكن أن تغطي تكاليف السعي وراء حلمها، لا أن تكون بديلاً عنه.

وقالت: احترمت وجهة نظرهم وقلت لنفسي لم لا أجرب المسارين معاً؟

شاركت نور في مقابلات عمل لعدة أشهر، وكانت تتنقل سيراً على الأقدام في مناطق مختلفة من دبي للذهاب من موعد إلى آخر. وخلال تلك الفترة، كانت تشارك لحظات نجاحها وتحدياتها مع آلاف المتابعين.

ومع ذلك، لم تتلق أي عرض عمل.

في ذلك الوقت، كان كل رد سلبي بمثابة باب يغلق في وجهها، لكنها اليوم تنظر إلى تلك التجارب بمنظور مختلف.

وقالت نور: إن ما دفعني للاستمرار هو شغفي الحقيقي لبناء هذا المسار المهني وإيماني بقيمة الطريق الذي اخترته.

AA6F7982-D065-4E79-B5B3-F1B3B52D9D20

تعلم تقبل الرفض

بالنسبة لنور، لم يكن الدرس الأصعب هو إتقان المشي على منصة العرض، بل كان تعلم كيفية التعامل مع الرفض.

وقالت: "كان التحدي الأكبر بالنسبة لي هو تعلم كيفية مواجهة الرفض".

ففي عالم الأزياء، يعد الرفض أمراً اعتيادياً؛ إذ قد تنجح عارضة الأزياء في تجربة أداء واحدة، لكنها قد تُرفض في عشرات التجارب الأخرى بعدها.

وأضافت نور: "مع مرور الوقت، أدركت أن الرفض لا يعني أنني لست جيدة بما يكفي، بل يعني أحياناً أن شخصاً آخر كان الأنسب لهذا المشروع تحديداً".

وقد غير هذا التحول في التفكير كل شيء بالنسبة لها.

وبدلاً من أن تسمح للرفض بالنيل من ثقتها بنفسها، استغلته نور كدافع للتطور، حيث تقبلت النقد البناء، لكنها لم تسمح للتعليقات التي تهدف فقط إلى إحباطها بالتأثير على عزيمتها.

وقالت: "كان هناك صراع داخلي مستمر في ذهني، لكن في النهاية، كانت إرادتي أقوى من مخاوفي".

69DBFDF4-1577-4EA7-8098-636C8FAC8ED0

مكالمة غيرت مسار حياتها

بعد أشهر من المشاركة في تجارب الأداء، نالت نور أخيراً الفرصة التي تطمح إليها الكثير من عارضات الأزياء.

تضمنت عملية اختيار العارضات لدار شانيل عدة مراحل لتقييم المشي على منصة العرض، تلتها دعوة لنور لإجراء قياسات الملابس. ومع ذلك، فإن الوصول إلى هذه المرحلة لم يكن يضمن الظهور في العرض النهائي.

إذ قد تصل العارضات إلى مرحلة قياس الملابس، ولكن يتم استبعادهن من القائمة النهائية قبل انطلاق العرض.

وبعد عودتها لإجراء تعديلات إضافية على الملابس، تلقت نور أخيراً المكالمة المنتظرة.

وقالت: كنت أجلس في أحد المقاهي وأحتسي القهوة عندما تلقيت الاتصال.

وأضافت نور: كان رد فعلي عفوياً تماماً، فقد صرخت من شدة الحماس ولم أستطع التوقف عن الابتسام. ومنذ اللحظة التي تلقيت فيها ذلك الاتصال وحتى وطأت قدماي منصة العرض، لم تفارق الابتسامة وجهي.

لم تكن المشاركة في عرض شانيل بالنسبة لنور مجرد عقد عمل إضافي، بل كانت تأكيداً على أن جميع القرارات الصعبة، وكلمات الرفض، وأيام الشك، كانت تستحق الصبر والعناء.

وقالت: هذا النجاح يعني لي الكثير، فهو ليس مجرد إنجاز في عالم الأزياء، بل يذكرني بأن كل القرارات التي اتخذتها وكل التجارب التي خضتها ساهمت في تشكيل مساري المهني.

90FA39FE-431C-44AA-A81C-A8A3FFA28BE7

تجاوز موروثات الأجيال الماضية

تتألق نور اليوم على منصات أكبر عروض الأزياء العالمية، لكنها تؤمن بأن التحول الأهم في حياتها حدث قبل وقت طويل من ظهورها في باريس.

نشأت في بيئة كانت تعتبر البشرة الفاتحة معياراً للجمال، وهو ضغط اجتماعي دفعها لاستخدام مستحضرات تفتيح البشرة لفترة من الزمن.

حتى جاء يوم سألت فيه نفسها: "هل لدي حقاً مشكلة مع لون بشرتي؟"

وكانت إجابتها: "لا".

وقالت نور: "إذاً لماذا كنت أحاول تغييره؟ هل كنت أفعل ذلك من أجل نفسي أم لتلبية توقعات الآخرين؟"

ومنذ ذلك الحين، توقفت عن استخدام مستحضرات تفتيح البشرة ولم تتراجع عن قرارها أبداً.

وأضافت نور: "أنا فخورة بمظهري اليوم. أؤمن بأن الجمال لا يُعرف بلون بشرة معين، وأن أهم خطوة يمكن لأي شخص اتخاذها هي أن يتعلم أولاً كيف يتقبل نفسه".

بالنسبة لنور، لم يكن السير على منصة عرض شانيل مجرد نجاح في عالم الموضة، بل كان ذروة رحلة بدأت بساعات من المشي في شوارع دبي، وهي لا تحمل معها سوى الأمل والإصرار والإيمان بأن حلمها يستحق التحقيق.