على مدى عقود، تناقل سكان رأس الخيمة قصصاً عن قصر مهجور قائم على أحد التلال.

وترددت شائعات عن وجود أرواح وسماع أصوات غريبة ورؤية وجوه خلف نوافذه، حتى أصبح قصر القاسمي يُعرف في نهاية المطاف باسم «قصر رأس الخيمة المسكون».

واليوم، بات أحد أكثر العقارات تميزاً في دولة الإمارات محط اهتمام المستثمرين الدوليين.

وقد طُرح هذا القصر الفسيح، الذي شُيّد للشيخ الراحل عبدالعزيز بن حميد القاسمي، للبيع مجدداً بسعر مطلوب يبلغ عدة ملايين من الدراهم.

يتألف العقار من أربعة طوابق ويضم ٣٥ غرفة، إلى جانب مجموعة لافتة من الأثاث العتيق والأعمال الفنية والمقتنيات التاريخية. ووفقاً لأبوبكر صديق، مستشار العقارات الفاخرة لدى شركة «مهار للعقارات» ووكيل بيع القصر، بدأ تشييد المبنى عام ١٩٧٥ واكتمل بعد ١٠ سنوات، في عام ١٩٨٥.

وقد يكون موقع القصر ثميناً بقدر تاريخه، إذ يبعد نحو ٣٠ دقيقة بالسيارة عن منتجع وين جزيرة المرجان، ما يعني أن المبنى الذي كان يقع يوماً وسط الصحراء أصبح اليوم قريباً من أحد أبرز مراكز ازدهار السياحة والسوق العقارية في رأس الخيمة.

Al-Qasimi-Palace-2

مستثمرون عالميون يبدون اهتماماً بقصر في رأس الخيمة

قال صديق إنه فور نشر مقطع فيديو تعريفي بالعقار وانتشاره على نطاق واسع عبر منصات التواصل الاجتماعي، تلقى طلبات من مشترين محتملين في دول الخليج والهند والمملكة المتحدة.

ويرى بعضهم المبنى مقراً سكنياً خاصاً وفخماً، فيما يعتبره آخرون فرصة لإنشاء فندق بوتيك أو وجهة سياحية ذات طابع خاص أو مشروع لإعادة التطوير بالقرب من جزيرة المرجان.

وقال صديق لـ«أريبيان بزنس»: «يدرك المهتمون بجزيرة المرجان ومنتجع وين حجم النمو الذي تشهده رأس الخيمة».

وأضاف أن عدداً من المشترين المحتملين ناقشوا تحويل المبنى القائم إلى فندق، قد يستفيد من القصص القديمة والشائعات المتداولة حول القصر منذ سنوات لتكون جزءاً من هويته.

واقترح آخرون هدم المبنى الحالي واستغلال الأرض لإقامة مشروع تجاري وسياحي جديد.

ويضع ذلك المطور أمام خيار مختلف: إما طمس ماضي القصر، أو توظيفه بوصفه معلماً سياحياً.

وفي معرض حديثه عن إمكان الحفاظ على القصر وإعادة افتتاحه فندقاً بوتيكياً ذا طابع خاص، قال صديق: «يحب كثير من السياح الأوروبيين والأميركيين هذا النوع من الفنادق».

Al-Qasimi-Palace-3

داخل القصر «المسكون بالأشباح»

خلف الواجهة الرخامية الفخمة للمبنى، تمتد مساحات داخلية تجمع بين التصاميم الإسلامية والمغربية والإيرانية والهندية.

تضم غرف القصر أثاثاً عتيقاً، وجداريات ضخمة، وتماثيل لحيوانات، وثريات كريستالية أوروبية. كما يتوج المبنى هرم زجاجي يسمح بدخول ضوء النهار إلى القصر.

لا يدخل الأثاث والمقتنيات الموجودة داخل القصر تلقائياً ضمن صفقة بيع العقار، إلا أن البائع مستعد للتفاوض بشأن بيع المجموعة كاملة لمشتر يرغب في الاحتفاظ بالقصر مع جميع محتوياته تقريباً.

وقال صديق إن المجموعة تضم أكثر من 50 نوعاً من الأثاث والمقتنيات الزخرفية من المغرب ومناطق أخرى، رغم أنها لم تخضع بعد لتقييم رسمي.

أسهمت المساحات الشاسعة والتصميم الداخلي المميز في جعل العقار أحد أشهر مباني رأس الخيمة، كما ساعدت هذه السمات في نشوء القصص المتداولة حوله.

ومع ذلك، ينفي صديق هذه المزاعم.

وقال: «إنه ليس مسكوناً بالأشباح فعلاً.»

وأضاف أنه دخل المبنى مرات عديدة ولم يواجه قط أي واقعة غير طبيعية. وبحسب قوله، فإن أصل هذه الأسطورة أبسط مما قد يتصوره البعض.

عند اكتمال تشييد القصر، كان يقع في منطقة يغلب عليها الطابع الصحراوي. وظل لاحقاً من دون استخدام، ما جعل العزلة والظلام وخلو هذا المقر الملكي عوامل أسهمت مجتمعة في انتشار تلك الشائعات.

وقال صديق: «يعتقد الجميع أن المكان مسكون بالأشباح، لكن لم يختبر أحد حتى الآن شيئاً من هذا القبيل. وعندما تسألهم عن الدليل، يقولون: "سمعت ذلك من بعض الأشخاص."»

Al-Qasimi-Palace-1

من مبنى مهجور إلى متحف

بدأ فصل جديد في تاريخ هذا القصر عام 2019، حين اشتراه رجل الأعمال وجامع الأعمال الفنية طارق أحمد الشرحن من ورثة الشيخ الراحل، ورمّم المبنى وفتح أبوابه أمام الزوار.

ويعمل المبنى، المعروف باسم «القصر الغامض» أو «قصر الغموض»، متحفاً خاصاً، ويمكن للزوار استكشاف أروقته مقابل 75 درهماً، أي نحو 20 دولاراً.

ومن المتوقع أن يظل هذا المعلم السياحي مفتوحاً أمام الجمهور طوال فترة استمرار إجراءات البيع.

وأتاحت أعمال ترميم القصر لعدد أكبر من الأشخاص دخوله، لكنها لم تُنهِ أسطورته القديمة تماماً. وباتت شهرة «القصر المسكون» تمثل تحدياً وميزة تجارية في آن واحد؛ إذ يتعامل بعض المشترين معها بحذر، بينما يرى آخرون فيها هوية جاهزة لمشروع سياحي لا يمكن لأي فندق تقليدي أن يصنعها.

ويرى صديق أن القيمة المالية ستتفوق في نهاية المطاف على حكايات الأشباح. وقال إن الشقق والمساكن العلوية فائقة الفخامة في جزيرة المرجان قد تصل أسعارها إلى عشرات الملايين من الدراهم، في حين يوفر هذا القصر قطعة أرض كبيرة ومبنى معروفاً وموقعاً قريباً من أبرز مشروع سياحي في الإمارة.

وإلى أن يوقّع المشتري النهائي العقد، سيواصل القصر استقبال الزوار الفضوليين.

وبعد ذلك، قد يتحدد مستقبله ليصبح منزلاً أو فندقاً، أو مجرد قطعة أرض بالغة القيمة.

والمؤكد الوحيد أن أحد أكثر أسرار رأس الخيمة رسوخاً بات معروضاً للبيع.

Al-Qasimi-Palace-4 Al-Qasimi-Palace-5