هل علاجات تجديد الشباب التي ينفق عليها أثرياء دبي ما يصل إلى 50 ألف درهم فعّالة حقاً؟ الدكتورة كيانا إماميان: الهدف أن نتقدم في العمر بصحة أفضل
في دبي، تحولت حتى مكافحة الشيخوخة إلى خدمة فاخرة وباهظة التكلفة. ويمكن للمقيمين دفع ٥٠ ألف درهم للمشاركة في برامج شاملة لإطالة العمر، تتضمن فحوص الدم، وفحوص صحة القلب والأوعية الدموية، وتقييم عمليات الأيض، ومراقبة نشاط الدماغ، وتصميم خطط صحية مخصصة.
وتهدف هذه الخدمات إلى تقديم صورة أكثر دقة عن مسار شيخوخة الجسم، وربما إيجاد سبل للحد من الأضرار الناجمة عن التقدم في السن.
ومع ذلك، يظل السؤال الأهم هو ما إذا كان دفع مثل هذا المبلغ يمكن أن يسهم فعلياً في إطالة عمر الأفراد.
وبات السعي إلى إطالة العمر توجهاً رائجاً للغاية بين أثرياء وادي السيليكون؛ بدءاً من ديف أسبري، مؤسس «بوليت بروف كوفي»، الذي تحدث عن رغبته في العيش حتى سن ١٨٠ عاماً، وصولاً إلى برايان جونسون، رائد الأعمال التكنولوجي الأميركي، الذي ينفق سنوياً أكثر من مليوني دولار على صحته لمكافحة الشيخوخة.
وقد جعلت الأنظمة اليومية الصارمة لجونسون، والفحوص المكثفة، وتجربة أساليب علاجية غير تقليدية، منه أحد أبرز الوجوه المعروفة في مجال «الاختراق البيولوجي»، أو تحسين أداء الجسم.
وفي الوقت نفسه، أسس أسبري أيضاً نشاطاً تجارياً قائماً على فكرة تحسين أداء الجسم البشري.
ويقدم سوق خدمات إطالة العمر الناشئ في دبي نسخة أكثر سهولة نسبياً من هذا النهج، إلا أن الاستفادة منها لا تزال تتطلب ميزانية إضافية بعشرات الآلاف من الدراهم.
ماذا تقدم برامج إطالة العمر بقيمة ٥٠ ألف درهم في دبي؟
وفقاً للدكتورة كسينيا بوتوفا، المؤسسة والرئيسة التنفيذية لعيادة «لونجيفيوم» في دبي، ينفق مرضى المركز نحو ٥ آلاف درهم في المتوسط، لكن تكلفة البرامج الأكثر شمولاً قد تصل إلى ٥٠ ألف درهم أو أكثر.
وقالت بوتوفا في تصريح لمجلة «أريبيان بزنس»: «العديد من المراجعين هم من رواد الأعمال والمديرين التنفيذيين والنساء والرجال النشطين الذين اعتادوا الاستثمار في أنفسهم».
وغالباً ما يراجع المرضى العيادة بسبب مشكلات مثل الإرهاق المستمر أو زيادة الوزن أو ارتفاع مستويات الكوليسترول، إلا أن أعداداً متزايدة منهم باتت تسعى إلى فهم المخاطر الصحية الأوسع التي قد تواجهها.
في البرامج الأعلى تكلفة، تُقدَّم خدمات تشمل فحوصاً مخبرية موسعة، وتقييم صحة القلب والأوعية الدموية، وفحص الهرمونات والتمثيل الغذائي، وتحليل مكونات الجسم، وتقييم الوظائف الإدراكية، وقياس اللياقة البدنية.
وتستخدم بعض التقييمات أيضاً تقنيات أحدث، من بينها تحليل البشرة بالذكاء الاصطناعي، وتخطيط كهربائية الدماغ لقياس النشاط الكهربائي للدماغ، واختبار الحد الأقصى لاستهلاك الأكسجين الذي يقيّم القدرة الهوائية للجسم.
وتكمن أبرز مزايا هذه الخدمات في إمكانية رصد المخاطر الصحية قبل سنوات من ظهور أمراض خطيرة.
وأوضحت بوتوفا أنه بالنسبة إلى مريض يعاني ارتفاع الكوليسترول، يمكن أن تسهم نتائج هذه التقييمات في تحديد أهداف شخصية لمستويات الدهون في الدم، وتقديم توصيات غذائية ورياضية، ووصف الأدوية عند الحاجة، وإعادة إجراء الفحوص.
وقالت: «ينبغي تقييم النجاح استناداً إلى أهداف محددة، من بينها التغيرات في مستويات الكوليسترول والبروتين الشحمي بي، وضغط الدم، ومؤشرات أيض الغلوكوز، ونسبة الدهون والكتلة العضلية، فضلاً عن الأعراض التي دفعت المريض إلى زيارة العيادة.»
ومع ذلك، ثمة فارق مهم في هذا المجال.
يمكن لخفض مستويات الكوليسترول الضار أو السيطرة على ارتفاع ضغط الدم أن يقلل المخاطر الصحية المعروفة، لكن إنفاق مبالغ كبيرة على مجموعة من الفحوص لا يؤدي بالضرورة إلى نتائج أفضل.
ويبقى السؤال الأساسي هو ما إذا كانت نتائج الفحوص تفضي بالفعل إلى قرارات طبية مفيدة أم لا.
نهج مختلف لعيادات التجميل في مواجهة الشيخوخة
تتبنى الدكتورة كيانا إماميان، المتخصصة في التجميل وعلاجات مكافحة الشيخوخة لدى عيادات هاينس، نهجاً مختلفاً في التعامل مع ميزانية افتراضية قدرها 50 ألف درهم.
وتخصص جزءاً كبيراً من هذا المبلغ لتحسين جودة البشرة وتحفيز إنتاج الكولاجين من خلال علاجات التجميل التجديدية، إلى جانب التقييمات الطبية والتغذية وتعديل نمط الحياة والرعاية الوقائية.
وقالت إماميان: «الهدف هو أن نتقدم في السن بصورة أفضل، لا أن نبدو أصغر سناً اليوم فحسب.»
ويُظهر هذا الاختلاف مدى تنوع الخدمات التي يجري الترويج لها اليوم تحت مظلة إطالة العمر.
بحسب العيادة التي يراجعها المريض، قد يُخصص مبلغ ٥٠ ألف درهم لإجراء تقييم دقيق لمخاطر القلب والأوعية الدموية، أو لعلاجات تجميلية، أو لمزيج من كليهما.
ومع ذلك، لا تتمتع هذه الخدمات بالضرورة بالقيمة والفاعلية الطبيتين نفسيهما.
من الخواتم الذكية إلى التوائم الرقمية
كما تستفيد صناعة إطالة العمر من جيل من المستهلكين اعتادوا المراقبة المستمرة لحالة أجسامهم.
وقد أسهمت الأجهزة القابلة للارتداء، مثل Oura وWHOOP، في جعل مؤشرات مثل جودة النوم، ومستوى تعافي الجسم، وتباين معدل ضربات القلب، جزءاً من النقاشات اليومية حول الصحة.
وترى بوتوفا، التي تستخدم الجهازين بنفسها، أن هذه الأدوات عززت مشاركة المرضى في إدارة صحتهم.
وقالت: «جعلت الأجهزة القابلة للارتداء الصحة موضوعاً نتعامل معه يومياً».
وترى أن الخطوة التالية تتمثل في ربط البيانات التي تجمعها الأجهزة الاستهلاكية بالتقييمات السريرية، ما قد يساعد الأطباء على رصد أنماط ربما تمر من دون ملاحظة في الظروف العادية.
من بين التقنيات التي تعتقد بوتوفا أنها قادرة على إحداث تحول في مستقبل طب إطالة العمر: الذكاء الاصطناعي التنبؤي، والتقنيات العصبية، وتقنية الأعضاء على الرقائق.
فعلى سبيل المثال، قد تتمكن «التوائم الرقمية» القائمة على الذكاء الاصطناعي مستقبلا من دمج السجلات الطبية ونتائج فحوص الدم وبيانات الأجهزة القابلة للارتداء، لإنشاء نموذج رقمي للحالة الصحية للفرد وتقدير كيفية تغير المخاطر الصحية التي يواجهها عند تطبيق تدخلات مختلفة.
وفي الوقت نفسه، تعمل التقنيات العصبية على تطوير أساليب لمراقبة نشاط الدماغ والتأثير فيه.
كما تتيح تقنية الأعضاء على الرقائق للباحثين دراسة استجابة الجسم للأدوية باستخدام نماذج مختبرية مصغرة مصنوعة من أنسجة بشرية.
وتحظى المجالات الثلاثة باهتمام كبير من الباحثين، إلا أن مستوى تقدمها العلمي متفاوت، ولا يثبت أي منها بمفرده قدرة الأطباء على عكس مسار الشيخوخة البشرية بصورة موثوقة.
وأكدت بوتوفا أيضا: «بالطبع، يجب التحقق بشكل منفصل من دقة هذه التنبؤات لكل استخدام سريري.»
ما خدمات مكافحة الشيخوخة التي تستحق تكلفتها فعلا؟
حتى الأطباء العاملون في مجال إطالة العمر يقرون بأن جزءا من هذه الصناعة يفتقر إلى أدلة علمية موثوقة.
وتستند بعض التدابير الوقائية، بما في ذلك تشخيص ارتفاع الكوليسترول وضغط الدم والسكري والسيطرة عليها، إلى عقود من الأبحاث السريرية.
لكن الأدلة العلمية المتاحة بشأن تأثير كثير من المنتجات والخدمات التي يروج لها باعتبارها علاجات لمكافحة الشيخوخة في تحسين الصحة أو إطالة العمر، لا تزال محدودة بدرجة أكبر.
فعلى سبيل المثال، تسعى اختبارات العمر البيولوجي إلى تقدير مدى شيخوخة الجسم باستخدام المؤشرات الحيوية، بدلا من الاعتماد حصرا على العمر الزمني للفرد.
ومع ذلك، فإن تحقيق نتيجة جيدة في هذه الاختبارات لا يثبت ارتفاع متوسط العمر المتوقع للفرد.
وحذر إماميان أيضا من اعتبار كل علاج تجديدي جديد إنجازا طبيا كبيرا.
وأوضح أن العلاجات التي تحفز إنتاج الكولاجين تتمتع بفوائد تجميلية مثبتة، لكن العلاجات الشائعة المعروفة باسم «الحمض النووي للسلمون»، التي يروج لها لترميم البشرة وتجديد شبابها، لا تزال بحاجة إلى مزيد من الأبحاث لتحديد مدى فعاليتها واستدامة نتائجها.
حتى إذا حسّن علاج ما مظهر البشرة، فإن ذلك لا يعني بالضرورة تغيير مسار الشيخوخة البيولوجية في الجسم بأكمله.
وقالت بوتوفا: «هناك بالتأكيد خطر يتمثل في إنفاق الأشخاص مبالغ كبيرة من دون تحقيق نتائج ملموسة.»
وترى أنه يتعين على المرضى أن يعرفوا بدقة النتائج المتوقعة من كل علاج، والأدلة العلمية التي تدعمه، وكيفية قياس مدى نجاحه.
قد يكون سر إطالة العمر أقل تكلفة بكثير
في قطاع قائم على الفحوص والخدمات الطبية مرتفعة التكلفة، تبرز حقيقة مهمة، وهي أن العديد من أكثر الوسائل فاعلية لتحسين الصحة على المدى الطويل منخفضة التكلفة نسبياً.
ولا تزال ممارسة النشاط البدني بانتظام، والحصول على قسط كاف من النوم، واتباع نظام غذائي متوازن، والامتناع عن التدخين، والسيطرة المناسبة على عوامل الخطر الطبية المعروفة، تمثل الركائز الأساسية للرعاية الصحية الوقائية.
كما أكدت منظمة الصحة العالمية (WHO) أن ممارسة النشاط البدني بانتظام ترتبط بانخفاض مخاطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية والسكري من النوع الثاني والوفاة المبكرة.
وتقر بوتوفا أيضاً بهذا التناقض.
وقالت: «أعتقد أن إطالة العمر هي الرفاهية الجديدة.»
ومع ذلك، تؤكد أن التقدم في السن بصحة جيدة يمكن أن يبدأ أيضاً من دون إنفاق الأموال على علاجات متقدمة ومعقدة.
ومع تزايد استعداد المرضى في دبي لدفع تكاليف الخدمات الطبية المصممة خصيصاً لكل فرد، تلوح أمام العيادات العاملة في مجال إطالة العمر فرص تجارية كبيرة.
لكن مدى قدرة هذه الخدمات مرتفعة التكلفة فعلياً على إبطاء مسار الشيخوخة أو الإسهام في إطالة العمر لا يزال محاطاً بعدم اليقين العلمي.