السجن المؤبد لـ8 أشخاص في الإمارات بتهمة تهريب أسلحة لصالح الجيش السوداني.. ومسؤولان سودانيان بارزان بين المدانين
قضت محكمة الاستئناف الاتحادية في أبوظبي، يوم الخميس 29 أكتوبر 2026، بالسجن المؤبد بحق ثمانية أشخاص، بينهم ياسر العطا، رئيس أركان الجيش السوداني، وصلاح قوش، الرئيس السابق لجهاز الاستخبارات في البلاد، في قضية الاتجار غير المشروع بالأسلحة والذخائر لمصلحة الجيش السوداني. وبحسب الحكم، شارك المدانون في شبكة منظمة لتهريب الأسلحة، واستخدموا مستندات مزورة وشركات تجارية وحسابات مصرفية في الإمارات لتحويل أموال صفقات بملايين الدولارات وإخفاء مصدرها ووجهتها.
وذكرت وكالة أنباء الإمارات «وام» أن المحكمة أوضحت في حكمها أن ياسر العطا، الذي كان عند تنفيذ الصفقات مساعدا للقائد العام للجيش السوداني ومسؤولا عن ملف التسليح، قبل تعيينه رئيسا للأركان في أبريل 2026، تقدم بطلب لشراء أسلحة ومعدات عسكرية، وسعى إلى الحصول على تصريح لهبوط الطائرة المحملة بالذخائر في مطار بورتسودان، مع علمه بتنفيذ الصفقة غير المرخصة على أراضي الإمارات.
وإلى جانب العطا وصلاح قوش، رئيس جهاز الأمن والاستخبارات السوداني في عهد عمر البشير، والمدرج على قائمة العقوبات الأميركية منذ عام 2023، قضت المحكمة بالسجن المؤبد بحق ستة أشخاص آخرين، هم: راشد عمر عبد القادر علي، المنسق الرئيسي للصفقات؛ وعثمان الزبير، المسؤول المالي عن توفير الأسلحة للجيش السوداني؛ وماهر عبد الجليل، الوسيط والذراع المالية للشبكة؛ وأحمد عبد الله المعروف باسم عبد الله خلف الله؛ وأحمد ربيع سيد أحمد؛ ومحمد فتح البيك.
وبحسب حكم المحكمة، تولى راشد عمر عبد القادر، عبر شركته، تنسيق وتوفير الأسلحة للجيش السوداني، وتسلم من ماهر عبد الجليل نحو ثمانية ملايين درهم نقدا، تمثل جزءا من قيمة الصفقات. كما كان عثمان الزبير مسؤولا عن متابعة احتياجات التسليح وفحص الشحنات وتسوية الحسابات مع موردي الجيش السوداني، وكان يحول أموال الصفقات إلى عبد الجليل عبر شبكة للحوالات المالية.
وأوضحت المحكمة أن أعضاء الشبكة أدخلوا ذخائر رشاشات «غوريونوف» إلى الإمارات باستخدام مستندات مزورة تصف الشحنة بأنها «معدات ومستلزمات طبية»، تمهيدا لنقلها جوا إلى بورتسودان.
وتناول الحكم أيضا الأدوار السياسية والمالية لبقية أعضاء الشبكة، ومن بينهم أحمد ربيع سيد أحمد، السياسي المقرب من عبد الفتاح البرهان، القائد العام للجيش السوداني، الذي توسط للحصول على موافقة قادة الجيش على التعامل مع شركة راشد عمر، وشارك مع راشد عمر وعبد الله خلف الله في اجتماعات عقدت بمنزل صلاح قوش. كما حصل محمد فتح البيك، المستشار السابق لوزير المالية السوداني، على 146 ألف درهم مقابل تسهيل اعتماد شركة راشد عمر موردا للجيش. وتسلم خالد يوسف مختار، المدير السابق لمكتب صلاح قوش، حصة قوش من عمولة الصفقة.
وظهرت القضية للمرة الأولى في 30 أبريل 2025، عقب الإعلان عن ضبط شحنة ذخائر غير مشروعة. وقال حمد سيف الشامسي، النائب العام للدولة، آنذاك، إن الأجهزة الأمنية عثرت خلال تفتيش طائرة خاصة هبطت للتزود بالوقود في أحد مطارات الإمارات على نحو خمسة ملايين طلقة من ذخائر غوريونوف عيار 7.62×54 ملم. كما أعلنت السلطات الإماراتية توقيف عدد من أعضاء الشبكة وضبط جزء من العائدات النقدية للصفقات في غرفة فندقية تخص اثنين من المتهمين.
ووفقا لتحقيقات النيابة العامة، التي نشرت تفاصيلها عند إحالة القضية إلى المحكمة في 30 أبريل 2026، نفذت الشبكة صفقتين بناء على طلب لجنة تسليح الجيش السوداني. ونفذت الصفقة الأولى خارج الإمارات وشملت شراء بنادق كلاشينكوف ورشاشات وقنابل يدوية بقيمة معلنة بلغت 13 مليون دولار، بينما لم تتجاوز قيمتها الفعلية 10 ملايين دولار، إذ خصص الفرق بين القيمتين لدفع عمولات غير مشروعة. وفي الصفقة الثانية، استخدم أكثر من مليوني دولار من عائدات الصفقة الأولى لشراء شحنة أخرى من ذخائر غوريونوف، جرى ضبطها قبل نقلها إلى السودان.
وفي جزء آخر من الحكم، اعتبرت محكمة أبوظبي غسل الأموال جريمة مستقلة، وقضت بسجن سبعة أشخاص مدة ثلاث سنوات لكل منهم، وتغريم كل واحد منهم مليون درهم. وكان أربعة منهم، هم راشد عمر وصلاح قوش وعبد الله خلف الله وماهر عبد الجليل، ضمن المحكوم عليهم بالسجن المؤبد أيضا. أما المدانون الثلاثة الآخرون فهم عثمان بابكر وخالد يوسف مختار وأحمد خلف الله، شقيق عبد الله خلف الله، الذي قالت المحكمة إنه تسلم مليونا و850 ألف درهم من قيمة الصفقة الأولى.
وبرأت المحكمة متهمين آخرين في القضية، هما مبارك علي الشيخ ومصعب عوض الكريم حسن. وبذلك، أدين 11 شخصا وبرئ اثنان من إجمالي 13 متهما من الأفراد. وكان محامو بعض المتهمين قد ادعوا خلال جلسات المحاكمة السابقة أن موكليهم تعرضوا للاستغلال في تسجيل شركات صورية واستخدام حسابات مصرفية.
كما قضت المحكمة بتغريم ست شركات مسجلة في الإمارات مليون درهم لكل منها بعد إدانتها بغسل الأموال، وهي راشد عمر للوساطة، وبورتكس تريد ليمتد، وأبو لارا لتجارة الأجهزة الإلكترونية، ويلو ساند للتجارة، ووردة المسرة للتجارة، وشركة سودامينا للمنطقة الحرة. وإضافة إلى إلغاء تراخيص مزاولة النشاط والسجلات التجارية لهذه الشركات، أمرت المحكمة بمصادرة عائدات غسل الأموال، ومبلغ مليون و545 ألف درهم من الأموال المضبوطة، والذخائر المكتشفة، وأجهزة الاتصال المستخدمة في ارتكاب الجرائم. وبحسب الحكم، سيبعد المدانون عن الإمارات بعد انتهاء مدة محكوميتهم.
وأكدت المحكمة في حكمها أن استخدام أراضي الإمارات ونظامها المالي لتنفيذ صفقات أسلحة غير مشروعة لمصلحة أحد أطراف الحرب في السودان، في ظل القيود الدولية، من شأنه الإضرار بعلاقات الإمارات الخارجية ومصالحها الوطنية.
وكان الجيش السوداني قد رفض رواية أبوظبي في أبريل 2025، فور الإعلان عن ضبط الشحنة. وقال نبيل عبد الله، المتحدث باسم الجيش، إن بلاده لا تحتاج إلى تهريب الأسلحة، متهما الإمارات في المقابل بتسليح قوات الدعم السريع، وهي اتهامات نفتها أبوظبي مرارا.
وأعلن مسؤولون سودانيون في 6 مايو 2025 قطع العلاقات الدبلوماسية مع الإمارات. وجاء القرار بعد يوم من رفض محكمة العدل الدولية دعوى السودان ضد الإمارات لعدم اختصاصها القضائي، وهو قرار لم يتضمن الفصل في موضوع الاتهامات الموجهة إلى الإمارات.