قرقاش: إنهاء الحرب مع إيران يتطلب سلاماً مستداماً لا حلاً مؤقتاً
دعا أنور قرقاش، المستشار الدبلوماسي لرئيس دولة الإمارات، إلى التوصل لاتفاق مستدام ينهي الحرب على إيران، مؤكداً أن المنطقة بحاجة إلى حل يمنع تجدد المواجهات بعد بضعة أشهر. وشدد أيضاً على ضرورة أن تجري دول المنطقة حواراً مباشراً مع طهران بشأن مستقبل العلاقات والأمن الإقليمي، بالتوازي مع المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة.
وقال أنور قرقاش، في مقابلة مع مجلة «فورين أفيرز» نُشرت في 24 سبتمبر، إن المنطقة تحتاج إلى سلام دائم، وإن اتفاقاً مؤقتاً لا يؤدي سوى إلى خفض حدة المواجهات لمدة 3 أو 4 أو 5 أشهر لن يكون كافياً لمعالجة الأزمة الراهنة.
وأوضح أن التوصل إلى مثل هذه النتيجة يتطلب مفاوضات جادة على عدة مستويات. وأضاف أن المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران تمثل أحد هذه المستويات، لكن يتعين أيضاً على دول المنطقة، سواء بشكل منفرد أو جماعي، إجراء حوار مباشر مع إيران بشأن القضايا الإقليمية الأساسية.
وأكد قرقاش أن هذه المحادثات يجب ألا تقتصر على القضايا اليومية، بل ينبغي أن تتناول ملفات مثل بناء الثقة، وتجنب المواجهة، ووضع إطار أكثر استدامة لمستقبل المنطقة. وقال إن الهدف هو التوصل إلى ترتيبات تتيح، انطلاقاً من الأزمة الراهنة، تهيئة الظروف لتحقيق استقرار أطول أمداً.
وقال المستشار الدبلوماسي لرئيس دولة الإمارات أيضاً إن أبوظبي عارضت منذ البداية الحرب التي اندلعت في 28 فبراير مع بدء الهجمات الأميركية والإسرائيلية على إيران، وإنها نقلت هذا الموقف إلى المسؤولين الأميركيين وشركائها الآخرين. وأضاف أن تجارب النزاعات السابقة في المنطقة أظهرت أن مثل هذه الحرب قد تصبح طويلة ومعقدة، وأن تداعياتها قد تستمر لسنوات.
وأضاف قرقاش أن الإمارات لم تتلقَّ قبل اندلاع الحرب تحذيراً محدداً بشأن قرب وقوع الهجمات، إلا أن اتساع الفجوة بين واشنطن وطهران في المفاوضات النووية دفع أبوظبي إلى التعامل بجدية مع احتمال اندلاع مواجهة.
وقال إن الإمارات توقعت أيضاً، بعد اندلاع الحرب، أن تهاجم إيران دول المنطقة، لكن نطاق الهجمات وحدتها تجاوزا التقديرات الأولية.
وبحسب قرقاش، أطلقت إيران خلال الحرب نحو 3300 صاروخ وطائرة مسيرة باتجاه الإمارات، استهدف 95% منها بنى تحتية مدنية. ووصف معدل اعتراض أنظمة الدفاع الإماراتية لهذه الهجمات بأنه «ضمن النطاق المرتفع من التسعينيات». وتمثل هذه الأرقام ادعاءات طرحها قرقاش خلال المقابلة.
وقال قرقاش إن الإمارات رأت أن «حربين» كانتا تدوران عملياً بالتزامن خلال الأشهر الماضية: حرب الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، ومواجهة منفصلة بين إيران والدول العربية في المنطقة.
وأضاف أن أبوظبي حاولت الفصل بين النزاعين، على الأقل سياسياً، وإيصال رسالة مفادها أن دول المنطقة لم تكن البادئة بالحرب الأميركية الإسرائيلية ضد إيران. وأشار قرقاش في المقابلة إلى دور دول مثل سلطنة عُمان وقطر، اللتين سعتا خلال الأزمة إلى الوساطة وإيجاد مخرج من المواجهة.
الردع إلى جانب الدبلوماسية
أكد قرقاش أن قدرة الإمارات على الدفاع عن نفسها ليست بديلاً عن الدبلوماسية. وقال إن بناء قوة ردع كان مهماً للغاية بالنسبة إلى أبوظبي، إلا أن الردع ليس الهدف النهائي، ويمكنه الآن أن يتيح فرصة أكبر لدفع الحلول السياسية والدبلوماسية قدماً.
وفي الوقت نفسه، قال إن المواجهات الأخيرة ألحقت أضراراً بالغة بالثقة بين إيران والدول العربية في المنطقة. وميّز قرقاش بين عودة العلاقات الطبيعية وإعادة بناء الثقة، موضحاً أن العلاقات مع إيران يُرجح أن تُستأنف وتعود إلى مسارها العملي، لكن إعادة بناء الثقة ستكون عملية أكثر صعوبة وتستغرق وقتاً أطول.
دور الولايات المتحدة في المنطقة
قال المستشار الدبلوماسي لرئيس دولة الإمارات أيضاً إن الحرب الأخيرة لم تقلل، خلافاً لبعض التصورات، من أهمية الولايات المتحدة في أمن المنطقة، بل عززتها.
ومع ذلك، أكد أن دول المنطقة لا تستطيع أن تعهد بالدفاع عن نفسها بالكامل إلى القوة العسكرية الأميركية، لأن واشنطن ستدافع أولاً عن مصالحها الخاصة.
وأضاف قرقاش أن دولة مثل الإمارات يتعين عليها تعزيز قدراتها الدفاعية، مع إبقاء مسار الدبلوماسية مفتوحاً في الوقت نفسه. واعتبر العلاقات مع واشنطن أحد المحاور الرئيسية للسياسة الخارجية الإماراتية، لكنه أوضح أن أبوظبي تتبنى إلى جانب ذلك سياسة «الاستقلال الاستراتيجي» وتعمل على توسيع علاقاتها مع الدول الآسيوية.
كما رأى قرقاش أن الصين يمكن أن تؤدي دوراً محتملاً في خفض التوترات، قائلاً إن بكين تستطيع الإسهام بصورة بناءة في ضمان أمن الملاحة في مضيق هرمز، واستخدام نفوذها لدى إيران لتشجيع طهران على التوصل إلى حل سياسي.
العلاقات الإماراتية السعودية ليست في أفضل حالاتها
شكّلت تصريحات قرقاش بشأن العلاقات بين الإمارات والسعودية أحد أبرز محاور المقابلة. وأقر بأن العلاقات بين البلدين «ليست في أفضل حالاتها» في الوقت الراهن، لكنه أكد أن أمن الإمارات والسعودية واقتصادهما مترابطان بصورة وثيقة.
وقال قرقاش إن الإمارات لا يمكن أن تعتبر نفسها مستقرة ما لم تنعم السعودية بالاستقرار أيضاً، ولا سيما في ظل الحدود المشتركة والروابط الأمنية بين البلدين. وأكد أن استمرار الخلافات لفترة طويلة لن يصب في مصلحة أي من البلدين أو المنطقة.
وأكد قرقاش أيضاً تصاعد المنافسة الاقتصادية بين البلدين، بالتزامن مع تنفيذ السعودية برامج التحول الاقتصادي ضمن رؤية 2030، ومساعي الإمارات للحفاظ على مكانتها باعتبارها إحدى الاقتصادات المنفتحة في المنطقة.
ومع ذلك، قال إن النجاح الاقتصادي لإحدى الدولتين لا يعني بالضرورة الإضرار بالأخرى، وإن البلدين يستطيعان تحقيق النمو في الوقت نفسه. وأضاف أن المنافسة يجب أن تبقى «ضمن إطار محدد»، وأن الخلافات ينبغي إدارتها واحتواؤها.
وأشار أيضاً إلى هجمات الحوثيين على السعودية، قائلاً إن أمن المملكة مهم للإمارات، وإن أبوظبي تشعر بالقلق إزاء الهجمات التي تهدد أمن السعودية.
غزة وإسرائيل ودولة فلسطين
تناول قرقاش في جانب آخر من المقابلة العلاقات بين الإمارات وإسرائيل، وقال إن أبوظبي استخدمت هذه العلاقة لتسهيل إرسال المساعدات الإنسانية إلى غزة.
وبحسب قوله، بلغت قيمة المساعدات الإماراتية المقدمة إلى غزة نحو أربعة مليارات دولار.
وأضاف أن العلاقات مع إسرائيل أتاحت للإمارات أيضاً طرح مواقفها مباشرة بشأن التطورات في الضفة الغربية، رغم إقراره بأن قدرة أبوظبي على التأثير في سياسات الحكومة الإسرائيلية محدودة.
وجدد قرقاش تأكيد دعم الإمارات لإقامة دولة فلسطينية مستقلة ولحل الدولتين، قائلاً إن أبوظبي تشكل في هذا الشأن جزءاً من الإجماع العربي.
كما اعتبر إصلاح السلطة الفلسطينية ضرورياً لكي تتمكن من أداء دور فاعل في أي اتفاق سياسي مستقبلي.
الاقتصاد بدلاً من المواجهة.. رؤية الإمارات لمستقبل المنطقة
قال المستشار الدبلوماسي لرئيس دولة الإمارات، رداً على سؤال بشأن تشكيل ترتيبات أمنية جديدة في المنطقة، إن سياسة الإمارات تقوم على نهج «جيو-اقتصادي»، وإن مستقبل الشرق الأوسط ينبغي أن يركز أكثر من السابق على الاقتصاد والتجارة والتنمية.
وأضاف أن الإمارات جعلت التنمية الاقتصادية والاتفاقيات التجارية وزيادة انفتاح الاقتصادات محوراً لسياستها الإقليمية، وترى أن مستقبل المنطقة يجب أن يقوم بصورة أكبر على التعاون الاقتصادي والمصالح المشتركة، بدلاً من استمرار دوامة المواجهات السياسية والعسكرية.