دبي تواصل ريادتها كوجهة عالمية أولى للثروات؛ والذكاء الاصطناعي يغير معادلات الاستثمار
رسخت دبي مكانتها كواحدة من الوجهات الرئيسية للثروات الكبرى في العالم، ومن المتوقع أن تواصل استضافة المليونيرات وأصحاب الثروات الطائلة و"المكاتب العائلية"؛ وهي كيانات خاصة تتولى مهمة إدارة الأصول والاستثمارات للعائلات فائقة الثراء، ويعد وجودها في أي مدينة مؤشراً على ثقة رؤوس الأموال الكبيرة في تلك الوجهة، رغم التوترات الجيوسياسية في المنطقة.
ويعزو خبراء قطاع إدارة الثروات الجاذبية المستمرة لدبي إلى مجموعة من العوامل، تشمل السياسات المستقرة، واللوائح المالية الواضحة، والبنية التحتية المتقدمة، وسهولة ممارسة الأعمال، والثقة العالية للمستثمرين. وبحسب هؤلاء الخبراء، لم تعد المدينة مجرد مركز تقليدي لحفظ الثروات، بل أنشأت منظومة متكاملة تلبي احتياجات الثروات القديمة وتطلعات الجيل الجديد من صناع الثروة. كما ساهم الموقع الجغرافي بين آسيا وأوروبا، والإعفاءات الضريبية، والنمو السريع لاقتصاد الابتكار في تعزيز هذه المكانة.
ويرتبط جزء كبير من هذا التحول بالذكاء الاصطناعي. ووفقاً لأحدث تقرير عالمي صادر عن بنك "يو بي إس" (UBS) السويسري حول المكاتب العائلية، لا يزال الذكاء الاصطناعي المحور الأهم لاستثمارات هذه الكيانات حول العالم؛ حيث استثمرت 65% منها حتى الآن في سلسلة هذه التكنولوجيا، بدءاً من إنتاج الرقائق وصولاً إلى شركات البرمجيات ومراكز البيانات. ويظهر التقرير، الذي استند إلى بيانات 307 مكاتب عائلية في أكثر من 30 دولة بمتوسط أصول يبلغ 2.7 مليار دولار، أن هذه الكيانات لا تنوي خفض استثماراتها رغم المخاوف من الارتفاع الكبير في أسعار بعض أسهم قطاع الذكاء الاصطناعي، بل توجهت أيضاً نحو القطاعات الداعمة لهذه التكنولوجيا مثل الطاقة (37%)، والبنية التحتية (37%)، والرعاية الصحية القائمة على الذكاء الاصطناعي (33%). وفي المقابل، تصدرت التوترات الجيوسياسية قائمة المخاطر، مما دفع المكاتب العائلية إلى تنويع حذر في الأصول والعملات والمناطق الجغرافية.
ويقول مادور كاكار، المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة "إليفيت" للخدمات المالية (Elevate Financial Services)، إن صعود دبي إلى مكانة القطب العالمي للثروات لم يكن وليد الصدفة، بل هو نتيجة تخطيط مدروس في السياسات واللوائح والبنية التحتية. وبحسب قوله، فإن دبي لا تخطط للثروات التقليدية فحسب؛ فقد أنشأت سلطة تنظيم الأصول الافتراضية في دبي (VARA) إطاراً مخصصاً للعاملين في مجال الأصول الرقمية، كما تظهر المبادرات مثل البرنامج الذي أعلنه سمو الشيخ حمدان بن محمد، ولي عهد دبي، في مايو 2026 لتمكين القطاع الخاص من الذكاء الاصطناعي وتدريب 50 ألف موظف حكومي في هذا المجال، أن المدينة تستعد أيضاً لـ "ثروة المستقبل". ويؤكد كاكار أن العائلات الثرية اليوم لا تبحث فقط عن مكان لحفظ رأس المال، بل تبحث عن دول تعرف إلى أين يتجه رأس المال.
ومع ذلك، يبدي الخبراء شكوكاً جادة بشأن استبدال البشر بالذكاء الاصطناعي في إدارة الثروات. ويقول كاكار إن هذه التكنولوجيا تحدث تحولاً في البحث وإعداد التقارير وتحليل البيانات وترفع مستوى عمل المستشارين، لكنها لا تستطيع الجلوس على طاولة المفاوضات وفهم تعقيدات العلاقات العائلية، أو الاهتمام بالإرث، أو العبء العاطفي للقرارات المالية الكبيرة. كما يرى مايكل فورنييه، مدير علاقات المستثمرين في شركة "أرزان" لإدارة الاستثمارات (Arzan Investment Management)، أن الذكاء الاصطناعي "معزز" لقدرات الخبراء وليس بديلاً عنهم، مشيراً إلى أن التقدير وقياس المخاطر في ظروف الغموض وفهم الأهداف الحقيقية للمستثمر لا تزال مهاماً بشرية.
ويشير كلا الخبيرين أيضاً إلى تحول جيلي في هذا القطاع؛ حيث ساهم المستثمرون الشباب، من خلال تبني الأدوات القائمة على الذكاء الاصطناعي والمنصات الرقمية وحتى الأصول الرقمية، في رفع معايير هذه المهنة. فهم يطالبون بتقارير فورية وشفافية كاملة ووصول مباشر إلى فرق الاستثمار، بل إن بعضهم قام ببناء أنظمة شخصية باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي لمراقبة محفظة أصولهم بشكل متكامل. ويرى العاملون في هذا القطاع أن مستقبل إدارة الثروات لن يكون منافسة بين الذكاء الاصطناعي والإنسان، بل تعاوناً بينهما؛ وهو المزيج الذي تسعى دبي لتكون المضيف الرئيسي له في العالم.