هل تدفع 90 درهماً مقابل زجاجة ماء؟ صيحة «اختبار المياه» في الإمارات
تعلمنا في المدرسة أن الماء بلا طعم، لكن الأمر يختلف في عالم «تذوق المياه» المتخصص. إذ يمكن أن يكون للماء مذاق معدني أو مر أو مالح أو حتى حلو، بحسب كمية المعادن الموجودة فيه وأنواعها. وبات استكشاف هذه الاختلافات عبر جلسات خاصة لتذوق المياه يتحول تدريجيا إلى أحد التوجهات الجديدة في الإمارات.
يقول تيمو باوش، خبير تذوق المياه في دبي الذي انتقل إلى المدينة في ديسمبر الماضي، إن جلسات تذوق المياه و«بارات المياه» أصبحت أكثر شعبية في مناطق مختلفة من العالم.
ومنذ وصوله إلى دبي، نظم باوش نحو ست جلسات لتذوق المياه خلال فعاليات شركات ولقاءات بين الأصدقاء، إضافة إلى منطقة للمشجعين في دبي خلال كأس العالم لكرة القدم 2026.
ويقول خبراء في هذا المجال إن اهتمام الجمهور بالتعرف إلى الخصائص المختلفة للمياه آخذ في الازدياد، بدءا من مصدرها وتركيبتها المعدنية، وصولا إلى مذاقها والملمس الذي تتركه في الفم؛ وهو فضول كان يرتبط في السابق بصورة أكبر بالقهوة وغيرها من المشروبات.
ويرى باوش أن هذا الأمر لافت بصورة خاصة في مدينة مثل دبي، حيث لم يعد مفهوم الفخامة يقتصر على استعراض سلعة باهظة الثمن، بل بات ابتكار تجربة مختلفة لا تنسى يحظى بأهمية كبيرة أيضا.
ويعرض باوش زجاجات مياه تحمل علامة الجودة الإماراتية (EQM)، موضحا أن أسعار المياه المعدنية الطبيعية المستوردة المعروضة في متجره الإلكتروني تتراوح بين 9.50 و40 درهما.
ويقول باوش: «لكن في مطعم فاخر، قد تدفع نحو 80 أو 90 درهما مقابل زجاجة المياه نفسها».
وقد تتفاوت أسعار هذه المياه بصورة كبيرة بحسب العلامة التجارية، ومدى ندرتها، ومكان عرضها، وظروف استهلاكها.
كما نظم بات إيكرت، خبير المياه المقيم في ألمانيا ومؤسس شركة «فاين ليكويدز» المتخصصة في توريد وبيع المياه المعدنية المعبأة، جلسات تذوق عبر الإنترنت لعملاء في الإمارات.
ويشمل عملاؤه منظمي فعاليات كبرى للشركات، وأفرادا من عائلات ملكية، وأشخاصا أعجبوا بنوع معين من المياه خلال سفرهم إلى الخارج، لكنهم لم يتمكنوا من الحصول عليه بعد عودتهم إلى بلدان إقامتهم.
ويقول إيكرت إنه يتلقى طلبات كثيرة من دول مجلس التعاون الخليجي. وبحسب قوله، هناك سببان رئيسيان لازدياد شعبية تذوق المياه عالميا؛ أولهما أن الناس أصبحوا أكثر اهتماما بجودة المياه والاختلافات بين أنواعها، وثانيهما أن بعض الأشخاص يبحثون عمدا عن بدائل للمشروبات الكحولية أو المحلاة.
وقد جعل ذلك من تذوق المياه خيارا مختلفا لبعض الحفلات والفعاليات.
ويمكن لهذه الجلسات أيضا أن تفتح باب الحوار بين الضيوف. ويقول باوش إن كثيرا من الأشخاص يقتربون من «بار المياه» الخاص به بدهشة، ولا يصدقون في البداية أن الماء يمكن أن يكون حامضا أو مرا بالفعل.
ويوضح: «أبدأ عادة بمياه ذات محتوى معدني منخفض، لأن الناس أكثر اعتيادا على هذا النوع من المذاق. وقد لا يشعرون بفارق واضح عند تذوق العينة الأولى، لكن الفارق يصبح جليا تماما بعد شرب العينة الثانية».
وبحسب باوش، يمكن أن يتغير مذاق الموكتيلات والقهوة أيضا تبعا لنوع المياه المستخدمة في تحضيرها. كما يقدم أحيانا أطعمة متنوعة مع أنواع مختلفة من المياه، لإظهار مدى تأثير اختيار المياه في مذاق الطعام.
وتقول أليسون بورنر، أول خبيرة متخصصة في المياه بمنطقة مجلس التعاون الخليجي وصاحبة مشروع في هذا المجال، إن هذا التوجه ينتشر في الشرق الأوسط «ببطء شديد للغاية».
وقد نظمت بدورها جلسات لتذوق المياه خلال فعاليات للشركات، وترى أن المياه، بفضل فوائدها الصحية وتنوع مذاقاتها وخصائصها، يمكن أن تصبح جزءا ممتعا ومختلفا من أي فعالية.
🔵 كيف تنظم جلسة تذوق المياه عبر الإنترنت؟
يوضح إيكرت أنه بعد اختيار العملاء نوع جلسة تذوق المياه عبر الإنترنت من خلال موقع «فاين ليكويدز»، يتلقون أولا مقطع فيديو إرشاديا للاستعداد للجلسة، كما ترسل إليهم أنواع المياه المختارة مباشرة.
وقبل بدء الجلسة، يحصل المشاركون على مجموعة من التعليمات، من بينها ضرورة وضع زجاجات المياه في درجة حرارة الغرفة لمدة لا تقل عن 48 ساعة قبل التذوق. كما ينبغي لهم تجنب الأطعمة الحارة خلال الساعة التي تسبق الجلسة، ويفضل ألا يشربوا القهوة قبل التذوق بعشر دقائق.
ويوصي إيكرت أيضا باستخدام أكواب مناسبة، لإضفاء طابع أكثر رسمية وتميزا على تجربة التذوق. وبعد ذلك، يجرب المشاركون عينات المياه المختلفة معا بالتزامن عبر اتصال مرئي.
ويقول إن المبدأ الأساسي في هذه الجلسات هو «الشرب بوعي». ولذلك يراقب سرعة شرب المشاركين، ويطلب منهم تناول المياه ببطء أكبر.
كما يشرح إيكرت ترتيب أنواع المياه ومصادرها وخصائص كل عينة، ويطلب من المشاركين الانتباه منذ الرشفة الأولى إلى مذاق الماء وملمسه في الفم والطعم الذي يبقى بعد شربه.
🔵 لماذا تختلف مذاقات المياه؟
يوفر باوش في دبي مياها من دول مثل إيطاليا والنرويج وجورجيا، ويقول إن بعض العملاء يبحثون عن أنواع شديدة الخصوصية لا تتوافر في متاجر السوبرماركت العادية.
وقبل تعبئة المياه في الزجاجات، يمكن للعوامل الجغرافية والتركيبات الطبيعية في المنطقة أن تؤثر في مذاقها.
وبحسب باوش، تحظى المنطقة التي تنبع منها المياه بأهمية كبيرة. فعلى سبيل المثال، تمتص المياه التي تمر عبر مناطق بركانية عادة كميات أكبر من المعادن، وقد يكون مذاقها أقوى أو أكثر ملوحة أو حتى أكثر حلاوة.
ويوضح أن مياه الأمطار تمتص المعادن أثناء تسربها عبر طبقات الأرض المختلفة، وكلما سلكت مسارا أطول وأكثر عمقا، ازدادت فرصتها في امتصاص المعادن، ليصبح مذاقها أكثر وضوحا.
ويقول إيكرت إن بعض المياه الجليدية التي لم تتلامس إلا بقدر ضئيل جدا مع التربة والصخور تحتوي على معادن أقل، ولذلك يكون مذاقها أكثر حيادية.
كما يمكن لأنواع المعادن الموجودة في المياه أن تؤثر في مذاقها. فعلى سبيل المثال، قد تتمتع المياه الغنية بالكالسيوم بمذاق أقوى وتترك إحساسا بالجفاف في الفم، في حين قد تبدو المياه الغنية بالمغنيسيوم أكثر مرارة.
ومع ذلك، ليس من السهل دائما وصف مذاق المياه بدقة، لأن الانطباعات تختلف من شخص إلى آخر. وبحسب إيكرت، يصف بعض الأشخاص المياه الغنية بالبيكربونات بأنها «عديمة المذاق»، بينما يرى آخرون أن المياه نفسها لها مذاق «ترابي» أو تمنح إحساسا شبيها بالوجود في الغابة.
وتختار بورنر نوع المياه بحسب طبيعة الفعالية والطعام المقرر تقديمه. وتقول، على سبيل المثال، إن مياها غازية مثل سان بيلغرينو يمكن أن تخفف جزئيا من حدة الأطعمة الحارة، وفي الوقت نفسه تبرز نكهة الطعام بصورة أكبر.
وتبدأ جلسات التذوق عادة بمياه منخفضة المحتوى المعدني، ثم تنتقل إلى المياه ذات المحتوى المعدني المتوسط، فالمرتفع، ثم المرتفع جدا.
أما في قسم المياه الغازية، فتقدم أولا عينات ذات فقاعات أدق، قبل الانتقال إلى مياه تحتوي على نسبة أعلى من الغاز، مثل بيرييه.
ويقول باوش إنه يشرب نحو أربعة أنواع مختلفة من المياه خلال اليوم. ففي الصباح، يتناول مياها تحتوي على نسبة أعلى من المعادن أو الإلكتروليتات، ثم ينتقل خلال النهار إلى أنواع أخف، وبعد ممارسة الرياضة يعود إلى شرب مياه غنية بالكالسيوم والمغنيسيوم.
وشاركت دانية شافعي، المقيمة في دبي، قبل أكثر من شهر في إحدى جلسات تذوق المياه التي نظمها باوش.
وتقول: «كنت قد سمعت من قبل عن تذوق المياه، لكنني لم أرغب في خوض التجربة بمفردي. وعندما جاء أصدقائي إلى منزلي، حجزت جلسة مدتها ساعة واحدة».
وبحسب شافعي، لم يكن من السهل عليهم في البداية فهم كيف يمكن أن تختلف مذاقات المياه، لكن بعد الاستماع إلى شرح حول مصدر كل نوع وتركيبته، أصبحت الفروق واضحة بالنسبة إليهم.
وتقول شافعي: «كانت بعض أنواع المياه أكثر كثافة، وبعضها أكثر حلاوة، وكان من الممكن حتى تذوق المعادن فيها. كانت تجربة مذهلة وغير متوقعة».